بقلم فيصل بوقرّة

حرية التنقل والإقامة أمام القضاء الإداري

كتاب مفتوح فوقه نظارات
Pixabay

إن حرية التنقل تعد من أهم الحريات الأساسية المضمونة دستوريا إذ يقتضي الفصل 24 من الدستور التونسي المؤرّخ في 27 جانفي 2014 أنّه "لكلّ مواطن الحريّة في اختيار مقرّ إقامته وفي التنقّل داخل الوطن وله الحقّ في مغادرته".

 

وعلاوة على قيمته الدستورية يندرج الحق في التنقل وحرية اختيار مكان الاقامة كذلك في زمرة الحقوق المدنية والسياسية التي كفلتها كل من المادة 13 من الإعلان العالمي لحقوق الانسان والمادة 12 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لسنة 1966 والمصادق عليه من الدولة التونسية في 18 مارس 1969 والتي جاء بها أنّه "لكل فرد يوجد على نحو قانوني داخل إقليم دولة ما حق حرية التنقل فيه وحرية اختيار مكان إقامته. لكل فرد حرية مغادرة بلد، بما في ذلك بلده. لا يجوز تقييد الحقوق المذكورة أعلاه بأية قيود غير تلك التي ينص عليها القانون، وتكون ضرورية لحماية الأمن القومي أو النظام العام أو المصلحة العامة أو الآداب العامة أو حقوق الآخرين وحرياتهم وتكون متماشية مع الحقوق الأخرى المعترف بها في هذا العهد. لا يجوز حرمان أحد، تعسفا، من حق الدخول إلى بلده".

يتأكد نفس التمشي بالرجوع إلى المادة 9 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية التي أوردت أنه "لكل فرد حق في الحرية وفى الأمان على شخصه. ولا يجوز توقيف أحد أو اعتقاله تعسفا. ولا يجوز حرمان أحد من حريته إلا لأسباب ينص عليها القانون وطبقا للإجراء المقرر فيه.

يتوجب إبلاغ أي شخص يتم توقيفه بأسباب هذا التوقيف لدى وقوعه كما يتوجب إبلاغه سريعا بأية تهمة توجه إليه.

يقدم الموقوف أو المعتقل بتهمة جزائية، سريعا، إلى أحد القضاة أو أحد الموظفين المخولين قانونا مباشرة وظائف قضائية، ويكون من حقه أن يحاكم خلال مهلة معقولة أو أن يفرج عنه. ولا يجوز أن يكون احتجاز الأشخاص الذين ينتظرون المحاكمة هو القاعدة العامة، ولكن من الجائز تعليق الإفراج عنهم على ضمانات لكفالة حضورهم المحاكمة في أية مرحلة أخرى من مراحل الإجراءات القضائية، ولكفالة تنفيذ الحكم عند الاقتضاء.

لكل شخص حرم من حريته بالتوقيف أو الاعتقال حق الرجوع إلى محكمة لكي تفصل هذه المحكمة دون إبطاء في قانونية اعتقاله، وتأمر بالإفراج عنه إذا كان الاعتقال غير قانوني.

لكل شخص كان ضحية توقيف أو اعتقال غير قانوني حق في الحصول على تعويض".

غير أنّ هذه الحقوق والحريّات ليست مطلقة، بل خوّل المشرّع الدّستوري التونسي للمشرّع العادي صلاحية التّقييد والحد منها شريطة إعمال مقتضيات الفصل 49 من الدّستور التونسي التي تقتضي أن "يحدّد القانون الضوابط المتعلقة بالحقوق والحريات المضمونة بهذا الدستور وممارستها بما لا ينال من جوهرها. ولا توضع هذه الضوابط إلا لضرورة تقتضيها دولة مدنية ديمقراطية وبهدف حماية حقوق الغير، أو لمقتضيات الأمن العام، أو الدفاع الوطني، أو الصحة العامة، أو الآداب العامة، وذلك مع احترام التناسب بين هذه الضوابط وموجباتها. وتتكفل الهيئات القضائية بحماية الحقوق والحريات من أي انتهاك".

والجدير بالذّكر أنّه من بين أهم النزاعات المعروضة أمام القضاء الإداري بخصوص تقييد حريّة التنقل يمكن التعرض، على سبيل الذكر لا الحصر، إلى الحالات التي تعمد فيها الإدارة (ممثلة بصفة عامة في وزارة الداخلية) إلى سحب جواز السفر أو رفض استخراجه أو تجديده، حالات تحجير السفر (سواء الدخول للتراب التونسي أو مغادرته)، حالات فرض الإجراء الحدودي المعروف بإجراء S17، حالات فرض الإقامة الجبرية أو الرقابة الإدارية ...

وبالرّجوع إلى فقه قضاء المحكمة الإداريّة منذ تأسيسها سنة 1972 إلى اليوم، يتبيّن أنّ قضائها استقرّ على جملة من المبادئ بخصوص النزاعات المذكورة.

1- تحجير السّفر

وعلى سبيل المثال بخصوص نزاعات جوازات ووثائق السفر وتحجير السفر، جرى قضاء المحكمة الإدارية على اعتبار أنّ المشرّع أقرّ حق كلّ مواطن تونسي في الحصول على جواز سفر وتجديده أو التمديد في صلوحيته، ولم يقيّد هذا الحق إلاّ في حالة ما إذا كان من شأن سفر المعني بالأمر النيل من النظام أو الأمن العامين، على أن يكون ذلك بمقتضى قرار قضائي يتّخذه حصرا رئيس المحكمة الابتدائية بطلب من الإدارة عن طريق النيابة العمومية، يقضي بتحجير السفر أو سحب جواز السفر (يراجع مثلا حكم ابتدائي صادر تحت عدد 139186 بتاريخ 14 جويلية 2015).

وتجد هذه الاستثناءات المخولة للإدارة سندها القانوني بالرجوع إلى مقتضيات القانون عدد 40 لسنة 1975 المؤرّخ في 14 ماي 1975 المتعلّق بجوازات السفر ووثائق السفر (منشور بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية، السنة 118، عدد 34 بتاريخ 20 ماي 1975، ص.ص. 1276-1278).

غير أنه يلاحظ بالرّجوع إلى مجمل النزاعات المطروحة أمام المحكمة الإدارية أن الإدارة قد تعمد في بعض الحالات إلى الاستناد إلى أحكام الفصل 4 من الأمر عدد 342 لسنة 1975 المؤرخ في 30 ماي 1975 المتعلق بضبط مشمولات وزارة الداخلية (منشور بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية، السنة 118، عدد 39 بتاريخ 10 جوان 1975، ص.ص. 1469-1470) المتضمّن مراقبة جولان الأشخاص بكامل تراب الجمهورية وخاصة بالحدود الترابية والبحرية ومباشرة الشرطة الجوية، وذلك بقصد التقييد من حرية التنقل دون إذن قضائي في الغرض، وذلك في إطار مهمّتها في حفظ الأمن العام، الأمر الذي يدفع المحكمة في كلّ مناسبة إلى التّشديد على أن تلك المراقبة لا يمكن أن تتعدّى المراقبة الأمنية العادية والضرورية التي يخضع لها المسافرون في الدخول والخروج إلى أرض الوطن، دون تمييز بينهم، ولا يمكن بأيّ حال أن تتحوّل إلى إجراءات استثنائية قد تصل إلى رفض تجديد جواز السفر ومنع الشخص من مغادرة أرض الوطن.

2- تحجير الإقامة

في هذا النّطاق أصدرت المحكمة الإدارية بتاريخ 10 جويلية 2020 عدد 22 قرارا في توقيف التنفيذ قضت فيهم بالإذن بإيقاف تنفيذ قرارات وزير الداخلية القاضية بإيواء أجانب بمركز الإيواء والحجز بالوردية، وذلك إلى حين صدور الحكم في الدعوى الأصلية (رسمت تحت عدد من 4105316 إلى 4105337).

وقد علّلت المحكمة قراراتها بالاستناد إلى الصكوك الدولية المتمثلة في الميثاق الدولي المتعلق بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والميثاق الدولي المتعلق بالحقوق السياسية والمدنية واتفاقية الأمم المتحدة لعام 1984 الخاصة بمناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهنية وكذلك إلى مقتضيات القانون الأساسي عدد 50 لسنة 2018 المؤرخ في 23 أكتوبر 2018 المتعلق بالقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري (منشور بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية، عدد 86 بتاريخ 26 أكتوبر 2018، ص.ص. 4470-4471)، والقانون عدد 7 لسنة 1968 المؤرخ في 8 مارس 1968 المتعلق بحالة الأجانب بالبلاد التونسية (منشور بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية، عدد 11، السنة 111، بتاريخ 12 مارس 1968، ص.ص. 296-297).

وانتهت المحكمة إلى أنّه يؤخذ من الصكوك الدولية المشار إليها أعلاه أنّ مبدأ المساواة في التمتع بالحقوق الأساسية اللصيقة بذات الانسان مبدأ آمر ملزم للدول بغض النظر عن الجنسية، أو مطابقة وضعية المعني بالأمر للقانون المنظم لحالة الأجانب، وأن الحق في التمتع بالحرية الشخصية لا ينتقص منه إلا في الصور المقررة بالقانون وبمقتضى إجراء قضائي أو احترازي في الصور التي يهدد فيها الأجنبي الأمن العام.

واستنتجت المحكمة أنه ولئن ألزم المشرع الدولة، في صورة مخالفة الأجانب القانون عدد 7 لسنة 1968 المؤرخ في 8 مارس 1968، باتخاذ قرارات بطردهم أو ترحيلهم على إثر قضاء عقوبة السجن، فإن مبدأ المساواة في التمتع بالحقوق الأساسية ومبادئ دولة القانون يلزمان السلط العمومية بعدم التعسف في تطبيق هذه القرارات، وبممارستها في حدود ما لا يتعارض مع الصكوك الدولية التي صادقت عليها.

هذا وقد تبين إلى المحكمة بالرجوع إلى وضعية المدعين إنهم معلومي الجنسية وأنهم في وضعية مخالفة للتشريع المتعلق بحالة الأجانب، وأنهم محرومين من حريتهم الشخصية بمقتضى ايوائهم في مركز تابع لهيكل عمومي دون أن يكون ذلك في إطار قضائي ضمن أحد الصور المنصوص عليها بالقانون عدد 7 لسنة 1968، ودون أن يثبت للمحكمة من أوراق الملف أن ذلك كان لغاية حماية الأمن العام، الأمر الذي يجعل من قرار الايواء مخالفا للشرعية في ظاهره خاصة وأن المدة التي قضاها المعنيون بالأمر في المركز تتيح للسلط الأمنية التثبت من وضعياتهم واتخاذ قرار في شأنهم.

3- الإجراء الحدودي S17

أما بخصوص ما عرف بالإجراء الحدودي S17 والذي درجت المحكمة الإدارية على تعريفه بأنه يتمثل في تعمد مصالح وزارة الداخلية اتخاذ قرار تعطيل العارض في التنقل داخل التراب الوطني عبر تفتيشه المطوّل وإخضاعه إلى إجراء الاستشارة (S17) قبل السماح له بالتنقل، فقد استقر القضاء الإداري منذ سنوات على اعتبار أنه طالما لم يتضمّن التشريع الوطني أيّ إجراء قانوني يسمّى (S17)، يُطلق يد الإدارة في الحدّ من حرية الأفراد المشتبه فيهم في التنقل دون حكم أو إذن قضائي، فإنّ وزير الداخلية يكون قد استحدث إجراء جديدا يحدّ من الحريات لم ينص عليه القانون ويكون قد حال دون وصول المواطن إلى ممارسة حقه في التنقل، عبر استعمال إجراء غير ملائم، ناهيك أنّ ذلك الإجراء يتعارض وحسن ممارسة الأفراد حريتهم في التنقل، فضلا عمّا يشوبه من تمييز بين الأفراد في ممارسة حقوقهم دون وجه شرعي (يراجع مثلا الحكمين الابتدائيّين الصّادرين عن المحكمة الإداريّة تحت عدد 155750 وعدد 155751 بتاريخ 3 ماي 2019).

4- الإقامة الجبريّة

وفيما يتعلّق بعقوبة "الإقامة الجبرية" التي تعوض العقوبة الحبسية أو السجنية، فهي تُعرّف حسب قوانين بعض الدول بأنها "إلزام المحكوم عليه بعدم مغادرة محلّ إقامة محدد أو نطاق مكاني معيّن".

وتعرفها قوانين دول أخرى بأنها "إجراء إداري أو تنفيذي يتم بمقتضاه حرمان شخص معين من حريته بدون توجيه اتهامات إليه وذلك لدواع أمنية محضة ضمن إحدى المناطق المشمولة بحالة الطوارئ".

وبالرّجوع إلى حالات فرض الإقامة الجبرية أو الرقابة الإدارية في تونس، يتبين من مختلف النزاعات المعروضة على المحكمة الإدارية أن الإدارة ممثلة في وزارة الداخلية تعمد إلى إخضاع شخص للإقامة الجبرية بالاستناد إلى أحكام الفصل 4 من الأمر عدد 342 لسنة 1975 المؤرّخ في 30 ماي 1975 المتعلق بضبط مشمولات وزارة الداخلية الذي يقتضي أنّ "وزارة الداخلية بوصفها مسؤولة على المحافظة على النظام العام في كامل تراب الجمهورية مكلّفة خاصة: ... بمراقبة جولان الأشخاص بكامل تراب الجمهورية وخاصة بالحدود الترابية والبحرية ومباشرة الشرطة الجويّة"، كما تستند الوزارة كذلك إلى مقتضيات الفصل 5 من الأمر عدد 50 لسنة 1978 المؤرخ في 26 جانفي 1978 المتعلق بتنظيم حالة الطوارئ (منشور بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية، عدد 7، السنة 121، بتاريخ 26 جانفي 1978، ص. 218)، الذي ينص على أنّه "يمكن لوزير الداخلية أن يضع تحت الإقامة الجبرية في منطقة ترابية أو ببلدة معينة أي شخص يقيم بإحدى المناطق المنصوص عليها بالفصل الثاني أعلاه يعتبر نشاطه خطيرا على الأمن والنظام العامين بتلك المناطق".

وبالتالي تتمسك وزارة الداخلية في جميع الحالات بأن قرار وضع شخص تحت الإقامة الجبرية أملته الظروف التي تمرّ بها البلاد والتي تتّسم بحساسية الوضع الأمني خاصة في ظلّ التهديدات الجديّة الإرهابية المطروحة والتي تشكل خطرا على النظام العام.

وبالرّجوع إلى فقه قضاء المحكمة الإداريّة منذ تأسيسها سنة 1972 إلى اليوم بخصوص حالات فرض الإقامة الجبرية أو الرقابة الإدارية، يتبيّن أنّ قضائها استقرّ على جملة من المبادئ بخصوص النزاعات المذكورة (يراجع مثلا الحكم الابتدائي الصّادر عن المحكمة الإدارية تحت عدد 150168 بتاريخ 2 جويلية 2018).

تأجيل أو توقيف التنفيذ أو الإلغاء بناء على انتفاء السند القانوني لقرار الوضع تحت الإقامة الجبرية:

أقرت المحكمة في هذه القضايا أنه من الجائز للسلطة التنفيذية وللهيئات العمومية ممارسة ما لها من سلطة ترتيبية أو سلطة إصدار تراتيب داخلية أو قرارات فردية خدمة للمصلحة العام أو حماية للنظام العام غير أنّه لا يمكن أن تحمل تلك القرارات أو التدابير قيودا أو تضييقات إلاّ في حدود ما تضمّنته القوانين الصادرة عن السلطة التشريعية.

وعليه تولّت المحكمة في القضايا المطروحة أمامها إلغاء القرارات القاضية بوضع الأشخاص تحت الإقامة الجبرية بالاستناد إلى غياب نص تشريعي يخول للإدارة اتخاذ تلك الإجراءات التي تحد وتقيد من الحريات، وصولا في بعض القضايا إلى التصريح بعدم دستورية أمر الطوارئ عن طريق الدفع (رغم مواصلة مؤسسة رئاسة الجمهورية العمل به منذ سنة 2011 دون انقطاع)، ذلك أنه لا يمكن الحد من الحريات بموجب أمر ترتيبي.

يذكر أنه لئن لم يتضمّن القانون الوطني أيّ نص تشريعي بمرتبة "القانون" يحدّ من حرية تنقل الأشخاص غير الخاضعين لعقوبات أو اجراءات سالبة للحرية غير أنه يجوز للإدارة الحصول على إذن قضائي يقضي بتحجير الإقامة أو بالإقامة الجبرية، وذلك في حالتين اثنتين أوّلهما نصّت عليها المجلة الجزائية في الفقرة – ب- من فصلها 5، (صادرة بموجب القانون عدد 23 لسنة 1968 المؤرخ في 24 جويلية 1968 المتعلق بإعادة تنظيم قانون المرافعات الجنائي المنشور بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية عدد 31 المؤرخ في 26 و30 جويلية 1968).

اقتضت الفقرة – ب- من الفصل 5 من المجلة الجزائية أنّه يمكن أن يسلّط القاضي الجزائي على المحكوم عليه عقوبة المراقبة الإدارية أو عقوبة منع الإقامة، كعقوبتين تكميليتين من شأنهما أن تحدّا من حرية التنقل.

كما سمحت مجلة الإجراءات الجزائية في فصلها 86 باتخاذ تدابير تحدّ من حرية التنقّل بالنسبة للأشخاص المظنون فيهم الذين تمتّعوا بإجراء الإفراج المؤقت بمقتضى إذن قضائي صادر عن حاكم التحقيق.

وعليه استقر فقه القضاء على أن الإجراءات التي تتخذها الإدارة تطبيقا للأحكام القضائية المتعلقة بتحجير الإقامة أو بالإقامة الجبرية تهم النظام العام واعتبر على هذا الأساس أن حرية التنقل التي ضمنها الدستور لا تحول دون إمكانية التضييق منها متى كان ذلك ناتجا عن تطبيق حكم قضائي في الحالات المذكورة آنفا لتعلقه بالنظام العام.

تأجيل أو توقيف التنفيذ أو الإلغاء بناء على انتفاء السند الواقعي لقرار الوضع تحت الإقامة الجبرية:

إضافة إلى انعدام السند القانوني، تقوم المحكمة بتسليط رقابتها على صحة المآخذ والوقائع المعروضة بالملف وكذلك تناسب الإجراءات الأمنية والإدارية المتخذة لمواجهتها.

وبالتالي انتهت المحكمة إلى أنّ ممارسة الإدارة لنشاط الضبط الإداري يخضع إلى مجموعة الضوابط التي استقر عليها القضاء الإداري والتي تقتضي ضرورة تقيد الإدارة بالقواعد التشريعية المنظمة للحقوق والحريات وألاّ تحدّ منها إلاّ في حدود ضيّقة تبررها مقتضيات الحفاظ على النظام العام ومستوجبات الضرورة، وأن السلطة التقديرية المخولة للإدارة مهما كان موضوع إعمالها ومهما اتسع مداها لا تعني السلطة المعفاة من كل رقابة طالما أنّ القول بخلافه يجعل منها سلطة مطلقة ويؤول إلى إعفاء القرارات الإدارية الصادرة في إطارها من الخضوع إلى مبدأ الشرعية من جهة ومن جهة أخرى إلى منع قاضي الإلغاء من ممارسة وظيفته في مراقبة هذه القرارات وأخيرا إلى خرق أسس دولة القانون التي تفترض حماية حقوق الأفراد.

كما أكدت المحكمة في قضايا أخرى على أنّ ممارسة الإدارة الامنية لنشاط الضبط الإداري يخضع إلى مجموعة الضوابط الواردة خاصة في اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، المصادق عليها من قبل الدولة التونسية، والتي تتعهد فيها تونس بمنع حدوث أيّ أعمال من "أعمال المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة التي لا تصل إلى حد التعذيب ...، عندما يرتكب موظف عمومى أو شخص آخر يتصرف بصفة رسمية هذه الاعمال أو يحرص على ارتكابها، أو عندما تتم بموافقة أو بسكوته عليها".

واستنتجت المحكمة في مجمل فقه قضائها أنّ القرارات الصادرة عن وزارة الداخلية تطبيقا لمقتضيات الفصل 5 من الأمر عدد 50 لسنة 1978 المؤرخ في 26 جانفي 1978 المتعلق بتنظيم حالة الطوارئ وكذلك الأمر عدد 342 لسنة 1975 المؤرّخ في 30 ماي 1975 المتعلق بضبط مشمولات وزارة الداخلية تندرج ضمن السلطة المقيدة لتعلقها بممارسة الحريات الدستورية وتخضع تبعا لذلك لرقابة القاضي الإداري بغاية التأكد من سلامة مبناها الواقعي ومدى تناسب التدابير المتخذة مع الظروف التي حفّت بها والأهداف التي ترمي إلى تحقيقها.

وعليه يتوجّب على الإدارة تمكين المحكمة من الموانع الأمنية التي فرضت اللجوء إلى إخضاع المدعي للإقامة الجبرية طالما أنّ عبء إثبات الخطر الذي يمكن أن يمثله عدم وضع المعني بالأمر تحت الإقامة الجبرية على الأمن العام محمول على وزارة الداخلية والتي يتعين عليها التدليل على ذلك بجميع الوسائل المتوفرة، بما أن تسبيب القرار المطعون فيه بهدف حفظ الأمن والنظام العامين بالبلاد المكلفة بها الإدارة بمقتضى القانون والتراتيب دون بيان الأسباب بصورة كافية ودقيقة ودون مدّ المحكمة بمكوناتها، لا يقوم عنصرا كافيا للتحقق من صحة مستندات الإدارة ومدى مطابقتها للقانون، الأمر الذي من شأنه أن يحول دون سحب القاضي الإداري رقابته على صحتها ودون امكان إقامة الموازنة بين موجبات الحقوق والحريات الدستورية من جهة ومقتضيات ضمان النظام العام من جهة اخرى.

وبالتالي في عديد القضايا انتهت المحكمة إلى أنه طالما بقيت أوراق الملف خالية مما يبيّن ضرورة اللّجوء إلى وضع المعني بالأمر تحت الإقامة الجبرية، فإنّ القرار المنتقد يغدو فاقدا لكل أساس واقعي وتعيّن لذلك على هذا الأساس القضاء بإلغائه.

في انتظار تصويت الجلسة العامة لمجلس نواب الشعب على مشروع القانون الأساسي عدد 2018/91 المتعلق بتنظيم حالة الطوارئ الذي ساهمت المحكمة الإدارية على مستوى اللجان التشريعية في ابداء رأيها ومقترحاتها بخصوصه، يبقى للإدارة الحق في تقييد حرية التنقل والاقامة في الصور التي تم ذكرها آنفا والتي تتحد في ضرورة الاستناد إلى نصوص تشريعية وإلى الأحكام القضائية الصادرة عن المحاكم التي أهلها المشرع، وحدها دون سواها، صلاحية معاضدة المجهود الأمني ومراقبته في آن فيما يتعلق بمقاومة الجريمة وخطر الإرهاب وكل ما من شأنه النيل من النظام أو الأمن العامين وتهديدهما مع ضرورة تناسب تلك الإجراءات الضبطية مع ضمان الحقوق والحريات.