بقلم بديع بن عباس

إصلاح القضاء في تونس: تشخيص الصعوبات وتقديم التصورات

لوحة خشبية عليها مطرقة قاضي وكتابين فوق بعضيهما أحدهما غلافه أزرق والثاني أحمر
Pixabay

يعد ضمان الوصول إلى عدالة جيدة المرتكز الأساس لجميع آليات حماية حقوق الإنسان، وهو بذلك حقا أساسيا وشرطا أوّليًا لضمان التمتع الفعلي بكل الحقوق التي تكفلها المعايير الوطنية والدولية، ومن أجل ذلك تسعى كل الدول لتنظيم الالتجاء إلى العدالة والعمل على تعهدها بالإصلاح، بتحديثها إدارة وتدبيرا وتسييرا والمراجعة الدورية لركائزها الأساسية خاصة منها المادية واللوجستية.

 


فقد سأل رئيس الوزراء البريطاني "ونستون تشرشل" أحد مستشاريه عن حال القضاء إبان الحرب العالمية الثانية بعد أن دمرت البنى التحتية ووصل الاقتصاد البريطاني إلى الحضيض...فأجابوه أنه بخير فقال مقولته الشهيرة "طالما أن القضاء والعدالة في البلاد بخير فكل البلاد بخير". وكما يقول ابن خلدون "العدل أساس العمران والظلم مؤذن بالخراب". فالعدل هو المنطلق لقيام الدولة وعمرانها، ولا يأتي العمران إلا باستقامة العدل برفع الظلم عن الناس حتى يطمئنوا على أنفسهم وحقوقهم وممتلكاتهم.


وتجدر الإشارة إلى أن المشرع التأسيسي خصص بابا مستقلا للسلطة القضائية بدستور27 جانفي 2014 قاطعا، على الأقل على مستوى النص، مع الشكوك التي كانت تحوم حول مدى اعتبار القضاء سلطة في الدولة على غرار السلطتين التشريعية والتنفيذية في ظل دستور 1959 السابق. إذ جاء بالفصل 102 من الدستور الجديد أن: " القضاء سلطة مستقلة تضمن إقامة العدل، وعلوية الدستور، وسيادة القانون، وحماية الحقوق والحريات".


إلا أنه لا بد من توفير مقومات السلطة خصوصا أن التجربة التونسية أثبتت أن المكاسب التي تتحقق على مستوى النصوص القانونية تبقى صورية إذا لم يتم تفعيلها في الواقع وإذا لم يقع تطبيقها بشكل عملي ملموس.
تُعد اليوم ادارة القضاء أداة لتطوير مرفق العدالة والخدمات المسداة للمواطنين، بما يدعم شرعية السلطة القضائية وشفافيتها تجاه المواطنين " مستعملي المرفق العام للعدالة"، وكذلك تجاه بقية مكونات منظومة العدالة. فالبحث عن النجاعة والجودة يدفع الجميع الى إيجاد آليات جديدة للتصرف وإدارة المرافق العامة ومنها العدالة.


لكن مبادئ سيادة القضاء وعلويته واستقلاله، مهما كانت قيمتها الدستورية، لا تكفي حتى مجتمعة لتحقيق عدالة القضاء في النهوض بالوظيفة القضائية، إذا لم تعضّدها ضمانات القضاء السلطة. فالتنصيص الدستوري على استقلال السلطة القضائية وعلى دور المجلس الأعلى للقضاء كضامن لهذا الاستقلال يبقى مجرد "وعد دستوري" لا بد من إتمامه بصفة نهائية وتنظيمه، ولا يكون ذلك إلا بواسطة التشريع.


ذلك أن السلطة التأسيسية خيرت إرجاء الحسم في عديد الإشكاليات العملية الجوهرية التي يثيرها تطبيق الدستور إلى حين إصدار القوانين، من ذلك مثلا تركيبة المجلس الأعلى للقضاء بخصوص الثلث من غير القضاة، فجاءت الفصول من 10 إلى 13 من القانون المتعلق بالمجلس الأعلى للقضاء مدققة ومفصلة لهذا الانفتاح، فبالإضافة إلى القضاة المعنين بالصفة والمنتخبين، يضم المجلس منتمين إلى هياكل أخرى من محامين وأساتذة جامعيين وعدول تنفيذ وخبراء محاسبين.(الحبيب السالمي، القانون العدلي: التنظيم القضائي العدلي، 2018، مجمع الأطرش لنشر وتوزيع الكتاب المختص، ص. 40).


فقد مَثّل إنشاء المجالس القضائية العليا في الديمقراطيات الناشئة التكريس الحقيقي للقطيعة التاريخية مع نظام استبدادي سابق. إذ نجحت المجتمعات في تحقيق فصل حقيقي بين السلط وتكريس التوازن بينها من خلال ارساء هيئات مستقلة عن السلطتين التنفيذية والتشريعية، تكفلت بالإشراف على المسارات المهنية للقضاة وادارة القضاء، وأثبتت التجارب المقارنة أن ممارسة القضاة لوظيفتهم القضائية بكل استقلالية عن باقي السلط وبعيدا عن كل التأثيرات، لا تتأتى إلا من خلال المجالس العليا للقضاء، والتي برزت تدريجيا كأداة ضرورية لضمان استقلال السلطة القضائية.


وتتصل الضمانات الدستورية المتعلقة بنظام القضاة بتأهيلهم، والرقابة على مسارهم المهني. وهي الضامنة لاستقلالية القاضي من خلال منحه حقوقا تتطابق مع معايير الاستقلالية وتحمله التزامات تضمن استقلاليته.
ويتطلب اصلاح القضاء تشخيص الصعوبات وبسطها (الجزء الأول)، ثم تقديم المقترحات الممكنة للولوج لعدالة جيّدة (الجزء الثاني).

الجزء الأول: اصلاح القضاء مهمة صعبة

تبرز الصعوبات على المستوى الهيكلي (أ) والمستوى الوظيفي (ب).

أ-الصعوبات الهيكلية


1-على مستوى البنية التحتية: تمثل الحالة المادية السيئة للمحاكم العائق الأكبر أمام إصلاح المنظومة القضائية، ورغم الجهود التي نلاحظها على مستوى صيانة مقرات المحاكم، يبقى الوضع الحالي لأغلبها صعبا ولا يفي بالحاجة. وقد أدى عدم توفير ظروف طيبة للعمل داخل المحاكم التونسية سواء فيما يتعلق بقاعات الجلسات أو مكاتب القضاة أو وسائل العمل المادية الأخرى، ومواصلة العمل بوسائل بدائية، إلى حصول تأخير في فصل القضايا وبطء في العدالة.


2-على مستوى الخدمات القضائية: العدالة بطيئة، مكلفة ومعقدة، وهو أمر يتضايق منه المتقاضون لما يشكله من عائق للوصول إلى العدالة. فعدد القضايا كثير وكل ملف له كلفته الخاصة، هذا إلى جانب مشكل نقص وسائل العمل اللازمة، وعديد من المشاكل الأخرى مثل تجهيز المحاكم والوصول إلى المعلومة القضائية.


3-غياب الاستقلالية المالية: التكريس الدستوري للقضاء كسلطة مستقلة عن باقي السلط يفترض تكريس هذا الاستقلال على المستوى الاداري والمالي والادارة الذاتية للسلطة القضائية ككل، ولا يقتصر الأمر فقط على الاستقلال الاداري والمالي للمجلس، إذ ينبغي للسلطة القضائية أن تكون قادرة على إدارة نفسها بنفسها والاضطلاع بالمسائل التي تهم سير عملها (الاستقلال الاداري). كما ينبغي أن تتوفر للسلطة القضائية الموارد الكافية التي تمكنها من أداء مهامها على النحو الفعال حتى لا تكون عرضة للضغوط الخارجية أو للفساد (الاستقلال المالي).
وقد نص الفصل 19 من قانون الميزانية على منح الاستقلالية المالية للهياكل التي تتمتع بقوانين أساسية وننتظر القانون المنظّم للقضاء العدلي لمنح المحاكم استقلاليتها المالية على غرار محكمة المحاسبات.


4-على مستوى رقمنة المحاكم: تطوير قطاع العدل والرفع من جودة خدماته يتوقف على تركيز المعالجة الالكترونية الشاملة للملفات ولإدارة القضايا من تقييد وتبليغ الكتروني وتبادل عن بعد فيما بين المحاكم وفيما بينها وبين المحامين ومساعدي القضاء وأعوان الضابطة العدلية والبلديات والقباضات المالية والمؤسسات الأخرى ذات الصلة، واستخراج نسخ الأحكام وغيرها من الشهادات والخدمات عن بعد، والولوج إلى بيانات السجل العدلي.


واقع العدالة هو غير ذلك، فقد انحصرت الممارسة القضائية في رقن الأحكام من قبل كتبة المحاكم ومن بعض القضاة. أما التعويل على المنظومات المعلوماتية على مستوى المحاكم الابتدائية والاستئنافية ومحكمتي التعقيب والعقارية المركزية وكذلك المحكمة الإدارية، فقد ثبت أنها تشكو من عدة نقائص تحتاج إلى مراجعة وتحيين لجعلها تواكب تطور الإجراءات وتفصيلاتها. وبقيت بعض التطبيقات في مراحلها الأولية، فلم تمر مواقع المحاكم إلى الممارسة الفعلية ولم تُنجز قواعد للبيانات ولم يتم أي تنظيم شامل لفقه قضاء المحاكم بما في ذلك فقه قضاء محكمة التعقيب. كما لم يقع تنظيم الأرشيف الكترونيا، بل إن بعض المنظومات لم تمر إلى العمل أصلا خشية أن يُعتدى على سرية الأبحاث، كما هو الشأن بالنسبة إلى منظومة التحقيق. وتكاد تكون المعلوماتية غائبة في إجراءات التعاون الدولي القضائي. وبدت التجارب في بدايتها تواجه العديد من المصاعب.


5- خروج بعض الهياكل المؤثرة في عمل العدالة هيكليا عن القضاء: ذلك أن الطرف الرئيسي الذي يتعامل معه القضاء الجزائي بشقيه الاستقرائي والحكمي، هم أعوان الضابطة العدلية، فنجاعة المنظومة الإجرائية مرتبطة أشد الارتباط بنجاعة عمل الضابطة العدلية. وبما أن أعوان الضابطة العدلية تابعين هيكليا لوزارة الداخلية فإنهم لا يخضعون لأية تبعية قانونية للسلطة القضائية. فضلا على ذلك، فإن الهيئات القضائية تجد عناءً كبيرا وانتظارا لا مبرر له للظفر ببطاقات سوابق المتهمين. أي أن القضاء يتكفل بتمويل غيره بجميع المعطيات الخاصة بالمحكوم عليهم فيستفيد بها هذا الغير، دونه، وهي وضعية غير سليمة وغير منطقية عقّدت عمل القضاء وعطّلته عن البت في الملفات في أجل معقول باعتباره إحدى ضمانات المحاكمة العادلة.

ب-الصعوبات الوظيفية


1-النقص الفادح في عدد القضاة والإطار الإداري من كتبة وأعوان وتقنيين وغيرهم، عمّقه إحداث محاكم استئناف جديدة كان أحيانا تحت الضغط إذ تطلّبت هذه الإحداثات توفير إطار قضائي وإداري لمباشرة العمل بها دون وجود إنتدابات بالحجم المطلوب، الأمر الذي يتسبب في إفراغ عديد المحاكم لسد الشغور والحال أنها بطبيعتها تشكو نقصا مما يزيد في تأزم الأوضاع.


2-غياب تخصص القضاة أو ما يعبر عنه بالصلاحية المهنية الخاصة للقضاة، وفى هـذا النطاق، فقد حرص المشروع المنقح لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد في المادة 38 منه على إلزام كل دولة طرف بـأن تتخذ ما قد يلزم من تدابير لضمان وجود متخصصين في إنفـاذ قـوانين مكافحة الفساد يستطيعون أداء وظـائفهم بفعاليـة، مـع وجـوب حصولهم على التدريب المناسب لأداء مهامهم.


المقصود بتخصص القاضي هو تقييده بالنظر في فرع واحد من فروع القضاء المختلفة، والذي له تشريعاته الخاصة وفقهه الخاص، مما يُسهّل على القاضي فهم إشكاليات هذا الفرع بعينه فهماً دقيقاً ومتعمقاً، ويؤهله تمرسه وخبرته إلى إيجاد حلول دقيقة لها، ويحقق بالتالي عدالة جيدة، ناجزة وسريعة.
العمل على تعصير النظام القضائي وتقنين أطره وآلياته وذلك بدعم وتعزيز إنشاء المحاكم المتخصصة، يعد من أبرز مبادرات الإصلاح الهيكلي التي جرت في السنوات الأخيرة في تونس، لكن المتتبع لهذه الحركية، يلاحظ بأن نصيب الجانب البشري من هذا المشروع لا يزال محدودا خاصة فيما يتعلق ببرامج تأهيل القضاة باعتباره العنصر الملازم للعملية القضائية على مختلف درجاتها، الأمر الذي أفقد التمشي المشار إليه الكثير من الجدوى.
ويرجع عدم مواكبة خيار تخصص القضاة لتوجه تخصص المحاكم، إلى غياب الإطار التشريعي الكفيل بتحقيق ذلك (2-1)، وإلى الخلل الذي اعترى منظومة التكوين والتعليم (2-2).

2-1-غياب الإطار تشريعي:

النصوص القانونية التي أحدثت الدوائر والخطط القضائية المتخصصة لم تؤسس لوجود قضاة متخصصين في المجالات القانونية التي أريد دعم التخصص فيها. فالنصوص القانونية الحالية لا تسمح بتخصص القضاة، أي أن يكون القاضي مؤهلا منذ بداية عمله أو بعد فترة زمنية معينة من مواصلة نشاطه في مجال قانوني معين، فالقانون الأساسي عدد 34 لسنة 2016 المؤرخ في 28 أفريل 2016 والمتعلق بالمجلس الأعلى للقضاء وكذلك القانون عدد 29 لسنة 1967 المؤرخ في 14 جويلية 1967 المتعلق بنظام القضاة والمجلس الأعلى للقضاء يسمحان بنقلة قاضي من محكمة إلى أخرى أو بترقية سواء في نفس المحكمة أو في محكمة أخرى دون مراعاة سنوات العمل التي قضاها في ميدان قانوني معين والتي جعلته متخصصا فيه، وهو توجه يؤدي إلى عدم الإستفادة من الخبرة التي تراكمت لدى القاضي في الاختصاص الذي عمل به عدة سنوات من ناحية، وإلى عدم تقديمه القيمة الإضافية المطلوبة في الإختصاص الجديد الذي تم تعيينه به و الذي قد يكون بعيدا عن الإختصاص الذي عمل به في السنوات السابقة من ناحية أخرى.


الهيئة الوقتية للإشراف على القضاء العدلي(لقانون الساسي عدد 13 لسنة 2013 المؤرخ في 2 ماي 2013 المتعلق بإحداث الهيئة الوقتية للإشراف على القضاء العدلي، الرائد الرسمي للجمهورية التونسية عدد37 المؤرخ في 7 ماي 2013، ص. 1643). ومن بعدها المجلس الأعلى للقضاء(قانون أساسي عدد 34 لسنة 2016 مؤِرخ في 28 أفريل 2016 يتعلق بالمجلس الأعلى للقضاء، الرائد الرسمي للجمهورية التونسية، عدد 35 بتاريخ 29 أفريل 2016).لم يسعيا من جهتهما، إلى تكريس تخصص القضاة خاصة في المجالات القانونية التي تتميز بتعقيدها وطابعها التقني والتي تقتضي النظر في النزاعات المتعلقة بها عديد السنوات للتمكن منها.


من الناحية الواقعية فإن تخصص بعض القضاة في مواد معينة، كان إما بناءً على اهتمام شخصي بتلك المواد تجسم من خلال الحصول على شهائد جامعية متخصصة في تلك الميادين ومتابعة دورات تكوينية فيها، وإما نتيجة للعمل عديد السنوات سواء في الطور الابتدائي أو الاستئنافي أو التعقيبي في نفس التخصص. وهو ما يؤكد أن تخصص القضاة المذكورين لم يكن وليد سياسة تشريعية في هذا المجال.

2-2-غياب التكوين التخصصي:

البرامج التعليمية بمختلف كليات الحقوق تتوج بالحصول على إجازة أساسية أو إجازة تطبيقية في القانون الخاص أو القانون العام، ويحصل الطلبة على إجازاتهم بعد أن تلقوا تكوينا عاما يحتوي عدید الثغرات المتعلقة بمواد لم يتم تناولها بالدرس رغم أهميتها في المرحلة الجامعية والتي يصعب تداركها لاحقا ، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن ما يلاحظ هو عدم انفتاح المؤسسات الجامعية على المؤسسات المالية والاقتصادية بوجه عام بالقدر الكافي، الأمر الذي يجعل الطلبة غير مطلعين على سبل تفعيل ما تلقوه من دروس نظرية وهو ما يجعل تكوينهم منقوصا.


أما في خصوص المعهد الأعلى للقضاء، فإنه يتضح بالرجوع إلى القانون عدد 8 لسنة 1985 المؤرخ في 11 أوت 1985 المتعلق بإحداث المعهد الأعلى للقضاء(القانون عدد 80 لسنة 1985 المؤرخ في 11 أوت 1985 والمتعلق بإحداث معهد أعلى للقضاء وبضبط مهمته كما وقع تنقيحه وإتمامه بالقانون عدد 70 لسنة 1992 المؤرخ في 27 جويلية 1992. )، وكذلك الأمر الحكومي عدد 28 لسنة 2020 المؤرخ في 10 جانفي 2020 المتعلق بضبط مشمولات المعهد الأعلى للقضاء ونظام الدراسة والتكوين به(الرائد الرسمي للجمهورية التونسية عدد 282 بتاريخ 21 جانفي 2020 ص.277 وما بعد.) أن المعهد المذكور يضم بالخصوص شعبتين(لأمر عدد 1290 لسنة 1999 المؤرخ في 7 جوان 1999 والمتعلق بتنظيم المعهد الأعلى للقضاء وضبط نظام الدراسات والامتحانات والنظام الداخلي؛ الأمر عدد 1072 لسنة 1989 المؤرخ في 31 جويلية 1989 المتعلق بضبط تراتيب امتحانات الملحقين القضائيين بالمعهد الأعلى للقضاء؛ قرار من وزير العدل مؤرخ في 4 ماي 1995 يتعلق بإتمام القرار المؤرخ في 18 جانفي 1989 المتعلق ببرامج الدروس وحصص التأهيل بالمعهد الأعلى للقضاء؛ قرار من وزير العدل مؤرخ في 18 جانفي 1989 يتعلق ببرامج الدروس وحصص التأهيل بالمعهد الأعلى للقضاء.):


· شعبة تكوين الملحقين القضائيين وهم قضاة المستقبل يتلقون تكوينا أساسيا يتضمن مرحلة نظرية تدوم عاما واحدا وهي عبارة عن دروس تطبيقية في القانون المدني والتجاري والعقاري والمرافعات المدنية والقانون الجزائي. أما المرحلة التطبيقية التي تستغرق کامل برنامج السنة الثانية فيقوم فيها الملحق القضائي بجميع الأعمال التي يقوم بها القاضي وفي جميع الأقسام سواء النيابة العمومية أو المجلس أو التحقيق أو الناحية أو الأطفال.


· شعبة استكمال خبرة القضاة المرسمين وفيها يتم التأهيل المستمر باعتماد أسلوبين:


  • الأول إلزامي ويخضع له القضاة المباشرون المنتمون إلى الرتبة الأولى والذين لا تتجاوز أقدميتهم الست سنوات، ويتلقون في إطار التكوين المستمر محاضرات حول الأمور المستجدة على الساحة القانونية وما يتصل بها. وحتى في خصوص التكوين في المادة الجبائية أو في مادة الضمان الاجتماعي فإن المعهد الأعلى للقضاء لم يوفر في خصوصها تكوينا على مستوى عال، الأمر الذي أدى إلى عدم وجود قضاة متخصصين في تلك المواد بالقدر الكافي رغم أهمية عدد القضاة الذين باشروا التكوين المذكور.

  • الثاني اختياري وهو موجه لكافة القضاة.


وتفريعا على ذلك، فإن البرامج التكوينية بالمعهد الأعلى للقضاء لا تؤدي إلى خلق قضاة متخصصين بل قضاة لهم تكوين عام.
3- تميّز التنظيم القضائي العدلي التونسي بمسحة شكليّة وبإجراءات كثيرة وطرق طعن متعددة وهو ما يَحدّ من حسن سير المرفق العام للعدالة ويشجع نزعة الخصام لدى المتقاضين الذين يستغلون ما ينجر عن الشكلانية من مسقطات ومبطلات أو معطلات للتعسف في القيام بالدعاوى وفي مباشرة الطعون.


4--تشعب الإجراءات وتضاعف كلفة التقاضي وقتا ومصروفا وهو ما يحول دون الوصول إلى عدالة ناجزة وسريعة في خرق لمبدأ البت في القضايا في اجل المعقول المكفول دستوريا.


5-تضخم التشريعات وتعدد النصوص وسرعة التنقيحات أو ما أسماه البعض "بهيجان المشرع"، مما تولد عنه إنعدام للأمن القانوني.

الجزء الثاني: اصلاح القضاء ضرورة ملحة


اصلاح القضاء يتطلب تخلا عاجلا على مستوى المكونات الهيكلية لجهاز القضاء لتحسن أداء المحاكم (أ) وتطوير أداء القضاة (ب).


أ-تحسين أداء المحاكم


1-العدالة الإلكترونية أضحت مطلبا ملحّا وضرورة حتمية لتطوير نظام التقاضي وتحسين جودة خدماته وتسهيل الوصول إلى المعلومة القضائية بمتابعة مسار ومآل القضايا من المتقاضين والمحامين بصفة مباشرة. وما تجدر الإشارة إليه أن بوابة وزارة العدل في تونس تسمح حاليا للمتداخلين في نظام العدالة الاستفادة من بعض الخدمات القضائية عن بعد، كتعمير استمارات ونماذج طلبات الخدمة التي تصدر عن المحاكم.


وقد أعدّت وزارة العدل بالتعاون مع وزارة تكنولوجيات الاتصال والاقتصاد الرقمي مخطط «العدالة الرقمية 2017 -2020» لتركيز نظام معلوماتي مندمج للمنظومة القضائية في تونس. وتمّ إدراجه ضمن المخطط الوطني الاستراتيجي «تونس الرقمية 2020» الذي يهدف إلى تحسين نجاعة إدارة القضاء وتسهيل النفاذ للمنظومة العدلية والمساعدة على حسن القيادة وأخذ القرار.
يقوم هذا المخطط على ثلاثة محاور أساسية وهي:


 النفاذ إلى المعلومة وإلى القانون من خلال تركيز نظام معلوماتي متطوّر يقدّم خدمات لمختلف المتدخّلين والمتعاملين مع المحاكم ووزارة العدل،
 رقمنة الأحكام والملفّات وإحكام أرشفتها إلكترونيا،
 تركيز بنية تحتية عالية الأداء والجودة تعتمد على شبكة لتراسل المعطيــات ذات سعة عالية تشمل كافّة المحاكم والمؤسسات الراجعة بالنظر لوزارة العدل.


ومن شأن هذا البرنامج المساير للتطور التكنولوجي أن يحقق قيمة مضافة للاقتصاد وللمجتمع بتبسيط إجراءات التقاضي وتوفير الوقت والجهد وتخويل إسداء الخدمات عن بعد بمواصفات جودة عالية تجمع بين السرعة والدقة والتكلفة الأقل. فضلا على أن رقمنة العدالة تشكل عاملا هاما في تحقيق المزيد من ضمانات النزاهة والشفافية والمساواة أمام المرفق العام وتسهيل الوصول إليه.


2- ضرورة التفكير في تغيير الشكل القانوني للمحاكم بأن تصبح مؤسسات عمومية تتمتع بالشخصية القانونية بالاستقلال الإداري والمالي وتصبح لها ميزانيات خاصة بها ويكون رئيس المحكمة هو الآمر بالصرف حتى لا تكون مرتبطة بالمركز حتى في أبسط الحاجيات وهو ما تبنّته عديد الأنظمة القضائية المقارنة.


وقد أكدت اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد على أهمية استقلال القضاء وماله من دور حاسم في مكافحة الفساد، وحثت الدول على اتخاذ تدابير لدعم النزاهة ومحاربة الفساد. وفي هذا الإطار جعلت تونس استقلال القضاء مبدأ دستوريا تم التنصيص عليه صراحة بالفصل 100: "القضاء سلطة مستقلة تضمن إقامة العدل، وعلوية الدستور، وسيادة القانون، وحماية الحقوق والحريات. القاضي مستقل لا سلطان عليه في قضائه لغير القانون."


التكريس الدستوري للقضاء كسلطة مستقلة عن باقي السلط يفترض تكريس هذا الاستقلال على المستوى الاداري والمالي، ولا يقتصر الأمر فقط الاستقلال الاداري والمالي للمجلس الأعلى للقضاء كيفما أقره القانون عدد 34 الصادر في 28 أفريل2016 المتعلق بالمجلس الاعلى للقضاء، إذ ينبغي للسلطة القضائية ككل أن تكون قادرة على ادارة نفسها بنفسها، والاضطلاع بالمسائل التي تهم سير عملها (الاستقلال الاداري). كما ينبغي ان تتوفر للسلطة القضائية الموارد الكافية التي تمكنها من أداء مهامها على النحو الفعال حتى لا تكون عرضة للضغوط الخارجية أو للفساد (الاستقلال المالي).


فمن المفروض ألا يناقش المجلس الأعلى للقضاء ميزانيته فقط، كما جاء بالقانون المنظم له، بل ميزانية السلطة القضائية برمتها، تفعيلا لمبدأ الاستقلال المالي والتي من أهم فصولها تأجير القضاة وميزانية المحاكم (ضمن ميزانية التصرف او ميزانية التنمية في صورة بناء محاكم جديدة)، ويتسق هذا المطلب مع المبدأ 7 من المبادئ الاساسية لاستقلال القضاء التي أَصّلتها الامم المتحدة سنة 1985:"من واجب كل دولة عضو أن توفر الموارد الكافية لتمكين السلطة القضائية من أداء مهامها بطريقة سليمة."


إذ تُعد اليوم إدارة القضاء أداة لتطوير مرفق العدالة والخدمات المسداة للمواطنين، بما يدعم شرعية السلطة القضائية وشفافيتها تجاه المواطنين "مستعملي المرفق العام للعدالة"، وكذلك تجاه بقية مكونات منظومة العدالة. فالبحث عن النجاعة والجودة يدفع الجميع الى إيجاد آليات جديدة للتصرف وإدارة المرافق العامة ومنها العدالة.


إستنادا لأحكام الفصل 114 من الدستور، من المفروض أن يكون المجلس الأعلى للقضاء هو السلطة الوحيدة المؤهلة لممارسة مهمة إدارة القضاء، ولا يمكن لأي جهة أو سلطة أن تتولى " السهر على حسن سير القضاء " دون أن تكون تحت سلطة المجلس الأعلى للقضاء. فحسن سير القضاء يستوجب تمتيع المجلس بكل الصلاحيات التي تمكنه من اتخاذ التدابير والقرارات والإجراءات التي من شانها تحسين جودة القضاء وحسن إدارة المحاكم وترشيد حوكمتها بالتصرف الناجع فيها.


غير أن إبقاء إدارة القضاء وخاصة إدارة المحاكم بيد السلطة التنفيذية من شانه أن يفرغ مفهوم الاستقلالية والتسيير الذاتي من محتواه وجوهره، فكيف للمجلس الأعلى للقضاء أن " يضمن حسن سير القضاء واحترام استقلاله " طبق أحكام الفصل 114 من الدستور وهو منزوع الصلاحيات فيما يخص ادارة القضاء وبعض الجوانب المتعلقة بالإشراف على المسار المهني للقاضي.


اكتفاء القانون بإسناد المجلس الأعلى للقضاء دورا تقليديا ضيقا في تسمية القضاة وترقيتهم ونقلتهم، واستبعاد الانتداب والتكوين والتأجير والتقييم والتفقد، يجعل من تكريس انفتاحه على غير القضاة دون تمكينه من صلاحيات واسعة تتجاوز هذه المهمة، محل جدل. فتواجد غير القضاة بالمجلس يجب أن يترافق مع منحه اختصاص النظر في شؤون منظومة العدالة برمتها، أو بجزء منها على الأقل، وخاصة إدارة العدالة والاشراف على المحاكم وبالتالي ضمان حسن سير القضاء استجابة لمقتضيات الدستور.


3-ضرورة تكريس تخصص المحاكم:
يتمثل في تكريس قضاء متخصص وظيفيا من خلال إحداث خطط ودوائر قضائية متخصصة أو تركيز بعض الاختصاصات لدى محكمة معينة.


وتعتبر إحداث المحاكم المتخصصة في الجرائم المالية توطيدا لمبادئ الحوكمة الجيدة في مجال القضاء، وفي هذا الإطار تم بموجب القانون عـ77ـدد لسنة 2016 المؤرخ في 06-12-2016 إحداث القطب القضائي الاقتصادي والمالي، وهو إحداث فرضه واقع موضوعي له علاقة بتطور الجريمة وبالوضع العام للبلاد، أسند إليه، من جهة أولى اختصاصا ترابيا مطلقا، ومن جهة ثانية اختصاصا حكميا في الجرائم المتشعبة فقد نص الفصل الأول منه على أنه " يحدث لدى محكمة الإستئناف بتونس قطب قضائي و مالي يختصّ بالبحث و التتبع و التحقيق و الحكم في الجرائم الاقتصادية و المالية المتشعّبة على معنى هذا القانون و في الجرائم المرتبطة بها و ذلك بالطورين الإبتدائي و الإستئنافي"، وأضاف الفصل المذكور بأن الجرائم المتشعبة هي التي تتطلب إجراء أعمال استقرائية باستعمال وسائل تحري خاصة.


-انطلق العمل على تنقيح مجلة المرافعات المدنية والتجارية والمجلة الجنائية ومجلة الإجراءات الجزائية وغيرها من القوانين بتبسيط إجراءات التقاضي في المادتين المدنية والجزائية مع المحافظة على ضمانات المحاكمة العادلة.


ومن المتجه مراجعة وصف الجرائم كأن لا تُعَد الجريمة جناية إلا فيما زادت عقوبته القصوى عن عشر سنوات على أن يبقى ما دون ذلك من قبيل الجنح المجلسية، وهو ما من شأنه أن يخفف الأعباء على قضاة التحقيق، مع تكريس مؤسسة القاضي المنفرد فيما كانت عقوبته أقل من خمس سنوات، كمراجعة اختصاصات دائرة الاتهام إن تعذر حذفها، وكذلك بالنسبة لمنظومة مناشير التفتيش ومؤسسة الجبر بالسجن بحذفهما في المخالفات والجنح البسيطة.


أما في المادة المدنية فإن تشعب إجراءات التقاضي وارتفاع تكاليفه، تولد خشية في أن تضيع العدالة وأن تصبح عدالة طبقات يجد فيها الغني حظه، بينما تضيع فيها حقوق الفقير لذلك نقترح التخفيف من وطأة الإجراءات ومزيد تكريس صداقة النظام القانوني التونسي مع التحكيم، وتكريس مبدأ القوة التنفيذية لمحررات عدول الإشهاد عند اتفاق المتعاقدين على ذلك، ولِمَ لا إرساء نظام المحامي المصالح لشيوخ مهنة المحاماة قبل اللجوء إلى قضاء الدولة، ومراجعة اختصاصات قاضي الناحية، وتكريس مؤسسة القاضي المنفرد، وإعادة النظر في أحكام التقاضي الخاصة بمحكمة التعقيب بمراجعة النظام المتعلق بالطعن لديها بوصفها محكمة قانون لا درجة ثالثة للتقاضي تجنبا للتعسف في ممارسة حق الطعن أمامها بالترفيع في معاليم الطعن وإحداث نظام مُتكامل لصفية الطعون، وكذلك مراجعة دور النيابة العمومية في القضايا المدنية، وتغيير تركيبة الدوائر المجتمعة وإرساء نظام الدوائر المختلطة، كالتفكير في تكريس الاستقلالية المالية لمحكمة التعقيب لتمكينها من مسايرة التطور العلمي وتبادل الخبرات وإقامة الملتقيات وغيرها من الأنشطة الداخلة في مهامها بوصفها أعلى هرم في القضاء العدلي.


4-ضرورة تغيير الخارطة القضائية بإنشاء محاكم متخصصة في المواد الجبائية والاستثمارية والاقتصادية عموما، فرغم إحالته إلى "المحاكم التونسية" أو "قضاء الدولة"، بحسب العبارات المستعملة بالقوانين المتعلقة بالاستثمار خصوصا قانون 30/09/2016، فإن المشرع التونسي قد سكت عن تحديد القاضي المختص في تسوية النزاعات الاستثمارية. ويطرح هذا السكوت التشريعي ضبابية باعتبار أن الاستثمار هو عملية مركبة ومعقدة متعددة الأبعاد، وتستوجب تدخل عدّة جهات وتفترض انطباق عدّة تشريعات تشكل في مجملها مناخ الاستثمار، وخلق مؤسسة قضائية تعني بفض النزاعات الاستثمارية وتشكل امتيازا تفاضليا Un avantage comparatif للإقتصاد الوطني تكون في شكل محكمة إقتصادية على غرار عديد الدول من شأنه أن يشجع على الاستثمار.


ب-تطوير أداء القضاة

يجب العمل على التكريس العاجل لتخصص القضاء. إن تعصير أداء الجهاز القضائي يمر حتما عبر تکریس تخصص القضاة. ويكون ذلك عبر تفعيل عديد الآليات من ذلك إعادة النظر في الإطار القانوني المنظم لترقية القضاة (1) وفي منظومة التكوين بالمعهد الأعلى للقضاء (2)

1- مراجعة نظام ترقية القضاة:

تطبيقا للمقتضيات الدستورية الجديدة، صدر القانون الأساسي عدد 34 لسنة 2016 المؤرخ في 28 أفريل 2016 والمتعلق بالمجلس الأعلى للقضاء، وهو قانون سيكون متبوعا بقانون آخر ينظم القضاء العدلي واختصاصاته والإجراءات المتبعة لديه والنظام الأساسي لقضاته ويحل محل القانون عدد 29 لسنة 1967 المؤرخ في 14 جويلية 1967 المتعلق بنظام القضاء والمجلس الأعلى للقضاء والقانون الأساسي للقضاة (الرائد الرسمي للجمهورية التونسية عدد 30 لسنة 1967 بتاريخ 14/07/1967).


ويُقترح في هذا الصدد، فيما يتعلق بالفصول المتعلقة بالترقية، إعتماد التوجه الذي يقوم على الترقي الآلي للقاضي في نفس التخصص القضائي سواء كان ذلك في ذات المحكمة التي يباشر بها عمله أو في المحكمة الأعلى درجة وهو ما يسمح له أن يبقى في نفس الاختصاص طيلة مدة عمله مع الحصول على ترقيته بصفة آلية. فالقاضي كما أسلفنا، كلما عمل في ذات الاختصاص مدة أطول كلما كانت كفاءته العلمية والفنية المتعلقة بهذا النوع من القضايا أكبر وأفضل.


إعتماد الترقية الآلية في نفس التخصص القضائي سوف يحقق طفرة كبيرة في هذا المجال، إذ ستشهد هذه المحاكم جيلاً جديداً من القضاة المتخصصين والمتمرسين وأعضاء نيابة عمومية بنفس الحرفية والتجربة، خاصة في القضايا المركبة والمعقدة ذات الأبعاد المتعددة.
-لا بد من حركية في المناصب القضائية La mobilité وتفعيل مبدأ التداول وإلغاء الشعور بالروتينية عند قضاء مدة مطولة في نفس الخطة مع فتح الآفاق أمام القضاة الطامحين لنيل خطط لا تكون حكرا على البعض.
-لا بد من سن قانون يتعلق بالوظائف القضائية العليا بضبطها وتحديد مدة ممارستها على غرار محكمة المحاسبات التي تدوم فترة ترؤّسها أربعة سنوات فقط ضمانا للتداول في تلك المناصب.


-خلق خطط قضائية جديدة ومحاكم متخصصة كالمحاكم التجارية على غرار عديد الأنظمة القانونية المقارنة تشجيعا على الاستثمار وضمانا لجودة العدالة مع إسنادها لقضاة متخصصين وذوي خبرة ورتب قضائية متقدمة.


-التفكير في سلم قضائي والسلم القضائي هو تصنيف القضاة حسب سلم يخضع لرتب وفي كل رتبة خطط قضائية تتماشى مع أقدمية القاضي ومؤهلاته وتخصصه طبق معايير التقييم الدستورية والدولية. والملاحظ هو سوء التوزيع الموجود بازدحام على مستوى الرتبة الثالثة وانسداد الآفاق أمامهم مما قد يولد نوعا من الشعور بالإحباط يؤثر سلبا على المردودية والجودة.
وما تجدر الإشارة إليه أن الإزدحام على مستوى الرتبة الثالثة يقابله نقص فادح في الرتبة الثانية.


-ضرورة مراعاة الاختصاص والتخصص profil du magistrat Le. وكذلك شخصية القاضي لإيجاد "القاضي المناسب في الخطة القضائية المناسبة"Une correspondance entre le profil et le poste.


-مراعاة التعقيدات ببعض الاختصاصات القضائية وخاصة في المواد التقنية التي تتطلب كفاءة في قانون الأعمال وخبرة أي أقدمية في العمل ورتبة قضائية متقدمة لفض النزاعات المطروحة بحرفية وجودة كالجباية والضمان الاجتماعي والمؤسسة مع ضمان الاستقرار في الخطة المذكورة تحقيقا للنجاعة المطلوبة.


2-مراجعة نظام التكوين:


يؤكد الميثاق الأوروبي المتعلق بنظام القضاة لسنة 1998 على ضرورة ان تكون الجهة المكلفة بتحديد محتوى وجودة برامج تكوين القضاة مستقلة عن السلطتين التشريعية والتنفيذية. فتكوين القضاة يرتبط بمبدأ استقلال القضاء وملازم له، لذلك فمن الوجيه بمناسبة إعداد القانوني الأساسي الجديد للقضاة تكليف المجلس العلى للقضاء بضبط مضمون برامج التكوين ومراقبة محتواها بالتعاون مع جمعيات القضاة ونقاباتهم التي يمكن أن يكون لها دور يسند عمل المجلس يتمثل في إبداء المقترحات وتقديم التصورات في خصوص منظومة التكوين بالمعهد الأعلى للقضاء بفرعيها الأساسي(*) والمستمر(**)، خصوصا الأمر الحكومي عدد 28 لسنة 2020 المؤرخ في 10 جانفي 2020 المتعلق بضبط مشمولات المعهد الأعلى للقضاء ونظام الدراسة والتكوين به(الرائد الرسمي للجمهورية التونسية عدد 282 بتاريخ 21 جانفي 2020 ص.277 وما بعد):


2-1 التكوين الأساسي:
-المدة الحالية لتكوين الملحقين القضائيين البالغة عامين إثنين غير كافية لتمكينهم من تلقي التكوين النظري والتطبيقي الضروري قبل مباشرة العمل القضائي. يجب إذا الترفيع في عدد سنوات التكوين بصفة معتبرة، وفي هذا الإطار اعتمدت عديد التشريعات المقارنة (مثال فرنسا، الجزائر) مدة تكوين بثلاث سنوات لتفادي النقص الملحوظ في تكوين القضاة المباشرين، لذلك فإنه اسوة بالقوانين المقارنة من الوجيه الترفيع في مدة التكوين بالمعهد الأعلى للقضاء لتصبح ثلاث سنوات.


-الترفيع في فترة التكوين لا يجب أن يكون مناسبة لإعادة تلقين الملحقين القضائيين دروسا نظرية في المواد التي سبقت دراستها بالجامعة أو التي كان من المفروض دراستها بالجامعة، بل يجب أن تستغل تلك الفترة لتحسين معارفهم القانونية وذلك باستيعاب المستجد منها، خاصة على مستوى التشريعات (الفساد، غسل الأموال وتبييضها ...)، وكذلك المواد التي لا تدرس بالجامعة والتي تعد مهمة في العمل القضائي (التصرف في الأعمال، إدارة المحاكم، تكنولوجيا المعلومات، الطرق البديلة لفض النزاعات، علوم التواصل، علم الاجتماع...)، كالتركيز على الجانب التطبيقي سواء صلب المعهد الأعلى للقضاء أو بالمحاكم.


-يمكن التفكير في تخصيص السنتين الأولى والثانية لتكوين قاعدي عام وشامل لجميع الملحقين القضائيين، فيما يتم خلال السنة الثالثة توجيههم لتكوين تخصصي بحسب رغبة الملحق القضائي وبناء على تقرير معد من المدرسين واستنادا إلى حاجيات المحاكم. وهو توجه من شأنه أن يؤدي إلى تحسين جاهزية القضاة الجدد المباشرين ومردوديتهم بما ينعكس بالضرورة بصفة إيجابية على مردودية المرفق القضائي وجودته بوجه عام.


-اعتماد المراوحة بين التكوين النظري بالمعهد الأعلى للقضاء والتكوين التطبيقي بالمحاكم خلال السنة الواحدة وتفادي النظام المنطبق حاليا الذي يتم فيه تخصيص السنة الأولى للتكوين النظري والسنة الثانية للتكوين التطبيقي، لما فيه من مساوئ دفعت العديد من الأنظمة المقارنة إلى تركه واعتماد نظام تكوين يسمح بتطبيق ما تم تلقيه خلال فترة التكوين النظري (5 أشهر على سبيل المثال) مباشرة بعد انتهاء تلك المدة، من خلال حضور الجلسات والشروع في مباشرة الملفات المتعلقة بالمواد التي سبق تلقي تكوين نظري في شأنها.


2-2 التكوين المستمر:
يهدف التكوين المستمر إلى تحسين القدرات العلمية والصناعية للقضاة المباشرين. ولئن كان هذا التكوين يهم أساسا، في فرعه المتعلق بالتأهيل الإلزامي، قضاة الرتبة الأولى من الدرجة الأولى إلى الدرجة الثالثة، إلا أن مقتضيات تطوير منظومة التكوين المستمر تفرض تعميمه ليشمل جميع القضاة بمختلف رتبهم.


فالقانون الفرنسي مثلا، يطالب جميع القضاة مهما كانت رتبتهم بالمشاركة في برامج التكوين المستمر لمدة أسبوع سنويا، وتقترح المدرسة الوطنية للقضاء للغرض أكثر من 500 موضوع كل عام، وهو عدد كاف لتلبية جميع الرغبات المختلفة. ويهدف هذا التكوين حسب الفصل 50 من الأمر الفرنسي المؤرخ في 14/05/1972 إلى تعميق المعرفة القانونية المتخصصة في بعض فروع القانون وتدعيم انفتاح القضاء على محيطه الاقتصادي والاجتماعي والثقافي) Laurent (Z.), Formation et spécialisation des juges et des juges consulaires, disponible sur ; http://books.openedition.org/putc/550( .


لذا، يُقترح التنصيص صلب القانون الأساسي للقضاة المزمع إعداده على ضرورة أن يخصص جميع القضاة المباشرين مدة لا تقل عن 5 أيام سنويا للتكوين المستمر وهو ما يقتضي بالتبعية وضع الآليات اللازمة لتفعيل هذا التوجه.


وتجدر الإشارة إلى أنه بالنظر إلى أهمية التكوين المستمر، في تطوير القدرات العلمية والصناعية للقاضي، فقد اعتبرت عديد الأنظمة القضائية المقارنة أن تقييم أداء القاضي وإسناده أعدادا صناعية وترقيته يجب أن يأخذ بعين الاعتبار الجهود المبذولة من قبله في دورات التكوين المستمر كما أن بعض تلك الأنظمة قد مكنت القضاة المباشرين، وفي إطار تشجيعهم على تطوير قدراتهم العلمية والصناعية من الحصول على إجازة دراسية مدفوعة الأجر لمدة سنة قابلة للتمديد لفترة لا تفوق سنة واحدة، من أجل البحث في موضوع له علاقة بالعمل القضائي.


ويبدو مما سلف، أن الحاجة ماسـة إلـى تنظـيم دورات تدريبية متقدمة وتخصصية للقضاة في مجال قضايا الفساد، تلتزم الدول بتوفير الإمكانات المادية والمالية التي يحتاج إليها تحقيق هذا الغرض السامي، والتي يعتبر اسـتثمارها فيه خير استثمار، عائده مواجهة جرائم الفسـاد التي تستنفذ موارد الدول وتعوق خطط التنمية، وكذلك إقامـة العـدل وفرض سيادة القانون.


-عنصر التخصص القضائي يتطلب، كما سبقت الإشارة إليه، الانفتاح على الجامعات ومراكز ومنتديات البحث العلمي المتقدم، وجدير بالذكر أنه في إطار الانفتاح على الجامعة، ولغرض تحقيق تعاون مثمر بين محكمة التعقيب وكليات الحقوق بالنظر إلى الأهميّة البالغة التي يمثّلها فقه قضاء محكمة التعقيب باعتباره مصدرا من مصادر القانون ومعطى ثابتا سواء في المنظومة التعليمية أو في المنظومة البحثية في المؤسسات الجامعية المتخصصة في القانون، أبرمت محكمة التعقيب اتفاقية مع كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس بتاريخ 26/12/2017 تهدف إلى:

  • تمكين مخابر ووحدات البحث العلمي التابعة لكلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس والباحثين بها بالاطلاع على القرارات التعقيبية والحصول على نسخ منها لاستغلالها في التدريس والبحث العلمي.
  • التشجيع على التعاون العلمي بين مدرسي الكلية والباحثين بها من جهة والقضاة من جهة أخرى بالمشاركة في إعداد البحوث وتنظيم الملتقيات العلمية.
  • تمكين المدرسين والباحثين في الكلية من الاستفادة من فقه القضاء واستغلاله في أعمالهم الأكاديمية من جهة وإلى مساعدة محكمة التعقيب في تبويب قراراتها وفق معايير علمية من جهة أخرى.



وفي الختام يمكن التأكيد على أن إصلاح العدالة يجب أن يكون نتيجة حوار "تشاركي" خاصة أن توطئة الدستور نصت على مبدإ التشاركية وليس إصلاحاً فوقياً، وهو يشمل مكوّنات منظومة العدالة كافة، ويلامس القضايا الجوهرية لاستقلال السلطة القضائية. لذلك فالمقترح اتّباع منهجية التعامل مع إصلاح منظومة العدالة من خلال حوار وطني يتعلق بالإصلاح الشامل والعميق لمنظومة العدالة.