بقلم عفاف رمضان

دور الحجّة العادلّة في دعم الاستثمار في تونس¹

Pixabay_Waage
Pixabay_Waage

عفاف رمضان: رئيسة الجمعية التونسية للتعاون والنهوض بعدالة الاشهاد

 

تُعتبر مسألة دعم الاستثمار في أي دولة في العالم أولوية اقتصادية ملحّة، باعتبار أنّ الاستثمار هو المحرّك الفعلي للنمو وخلق الثروة وتوفير مواطن الشغل.

وتونس ليست استثناءً، فقد عملت منذ سنوات على سنّ العديد من التشريعات والإجراءات المحفّزة بهدف استقطاب المستثمرين الوطنيين و الأجانب وتشجيع المبادرة والاستثمار في مختلف القطاعات.

و إذا كان دعم الاستثمار يُطرح عادة في إطار السياسات العمومية للدولة، فإنّ نجاح هذه السياسات لا يمكن أن يتحقّق دون توفير بيئة قانونية صلبة تضمن الثقة بين المتعاملين ومختلف المتدخلين في الدورة الاقتصادية و القانونية. وفي هذا الإطار، تبرز الحجّة العادلة كإحدى أهمّ أدوات تعزيز الثقة في المعاملات وتهيئة مناخ قانوني مستقرّ وجاذب للاستثمار.

و سنتطرق في الجزء الأول من المقال لنجاعة الحجة العادلة في دعم الاستثمار لنأتي في الجزء الثاني منهه على العراقيل التي تعطل الحجة العادلة عن القيام بدورها الكامل في دعم الاستثمار ولنفتح أخيرا آفاقا و نرفع توصيات لمن له النظر لإدخال الإصلاحات اللازمة.

الجزء الأول: نجاعة الحجة العادلة في دعم الاستثمار

يحتاج المستثمر في بلادنا، سواء كان وطنياً أو أجنبياً، إلى إبرام جملة من العقود لتوثيق الاتفاقات الضرورية في مجالات متعددة. فالمشاريع الاستثمارية ترتكز على عمليات شراء وبيع، و على عقود كراء للمحلات والمقرات، و على التعامل في الأصول التجارية وحصص الشركات، إضافة إلى جملة من المعاملات المالية والبنكية. و إنّ مجال تدخّل الحجّة العادلة في هذه المعاملات، سواء كانت مالية أو عقارية، هو مجال واسع يجعلها إحدى الأدوات الأساسية في منظومة الاستثمار.

فالمستثمر يحتاج أوّلاً و قبل كل شيء إلى الثقة، و الحجّة العادلة قادرة على توفيرها بما تمتلكه من قوّة ثبوتيّة وحماية قانونية. كما يحتاج إلى الحياد والنزاهة، و هما من خصائص الحجّة العادلة بما أنّ محرّرها –عدل الإشهاد– يلتزم بالموضوعية وواجبه القانوني في الإرشاد والتنبيه.

وعدل الإشهاد، بصفته مختصاً قانونياً في تحرير العقود، يمنع من وجود الشروط التعسفية داخل العقد، ويحول دون تعرّض أحد الأطراف إلى التحيل أو الغبن. كما يُحمَّل واجب النصح، فينبّه المتعاقدين مسبقاً إلى الآثار القانونية المحتملة وإلى المخاطر التي قد تترتب عن تلك الآثار في حالات معيّنة قد يجهلها المستثمر أو لا ينتبه إليها.

على خلاف العقود الخطيّة العرفية التي تكون عرضة لمختلف أوجه الطعن، و التي تفتقد في أغلبها إلى مجلس العقد وإلى الشرح المباشر، ممّا يحجب عن المتعاقدين فهم فحوى العقد ونتائجه، تأتي الحجّة العادلة لتُزيل هذا الإشكال من خلال صياغة شفافة ومباشرة بحضور الأطراف وتحت مراقبة مهني مختص.

ومن أهم ضمانات الحجّة العادلة بالنسبة للمستثمرين، قدرتها على تقليص حجم النزاعات قبل وقوعها. وهذا مبدأ معروف دولياً لدى البلدان التي تتعامل بالحجّة العادلة، وقد عبّر عنه المثل الفرنسي الشهير "بفتح مكتب عدل إشهاد، نُغلق محكمة". إضافة إلى الدور الأساسي الذي تلعبه الحجة العادلة في "تقليص الزمن القضائي".

و حتى في صورة اللجوء إلى القضاء، تبقى الحجّة العادلة وسيلة فعّالة لإثبات الحقوق وقادرة على تمكين المستثمر من الحصول على حقّه. فالحجّة العادلة بطبيعتها، تُعدّ وسيلة إثبات قاطعة للحقوق بمختلف أنواعها، وهي تستوعب مجمل وسائل الإثبات الواردة في القانون المدني.

كالإقرار: إذ يمكن للحجّة العادلة أن تتضمّن إقرارات صريحة من الأطراف، وذلك من خلال الاستجوابات المنشئة للالتزامات، و هي من الاختصاصات الحصرية لعدل الإشهاد.

والبيّنة بالكتابة: فالكتابة تُعدّ أهم وسائل الإثبات في القانون المدني التونسي، فكيف إذا كانت هذه الكتابة مضمنة داخل حجّة رسمية غير قابلة للطعن إلا بالزور؟ إنّ قوّة الثبوت هنا تصبح أقوى وأوضح.

وكشهادة الشهود: إذ أن لعدل الإشهاد طبقا للفصل 12من القانون عـ60دد الصادر في 23/05/1994 المنظم لمهنة عدول الإشهاد مطلق الصلاحيات في تلقي كل ما ترغب السلط أو الأشخاص في إثباته بحجة رسمية من اتفاقات و تصريحات، وهو ما يقوم مقام الشهادة أمام القضاء ويُغني عن إجراءات أخرى.

وكالقرائن القانونية: حيث أن الحجّة العادلة تُوفّر عديد القرائن التي يمكن للقاضي الاستناد عليها، سواء من خلال الوقائع الثابتة أو المعلومات القانونية المضمّنة داخلها.

إضافة لليمين الحاسمة: إذ أن من بين الاختصاصات الحصرية التي عهد بها لعدل الإشهاد، إنجاز اليمين الحاسمة، وهي من أهم الوسائل الحاسمة في فضّ النزاعات وإقرار الحقوق أمام القضاء.

بهذه الخصائص، لا تكون الحجّة العادلة مجرّد وثيقة، بل تصبح منظومة متكاملة للإثبات، تحمي المتعاقدين، وتضمن حقوقهم، وتُسهم في تخفيف النزاعات وتسريع الفصل فيها، وهو ما يمثّل أحد مقوّمات المناخ الاستثماري الجيد.

رغم كل هذه الامتيازات والضمانات القانونية التي تتمتع بها الحُجّة العادلة، فإنها ما تزال قاصرة عن أداء دورها كاملاً، مما يسوقنا للحديث في الجزء الثاني عن العراقيل التي تواجهها الحجة العادلة في بلادنا.

الجزء الثاني: العراقيل التي تواجهها الحجة العادلة في بلادنا

أولها غياب القوة التنفيذية مما يجعل المستثمر و المتعامل بالحُجّة العادلة رهين إجراءات قضائية مطوّلة ومعقّدة، تُفرغ العقد من جدواه العملية، وتُضعف من دوره كأداة استباقية لحل النزاعات والحدّ من الضغط على المحاكم. والحال أن الغاية الجوهرية من اعتماد الحُجّة العادلة تتمثل أساسًا في تبسيط المعاملات وتسريع تنفيذ الالتزامات وتحقيق الأمن التعاقدي.

وإذ يصبح تنفيذ ما ورد بالحُجّة مرهونًا بآجال التقاضي، فإن ذلك يتعارض مع منطق الاستثمار و متطلبات الاقتصاد الحديث، حيث تشكّل السرعة عنصرًا حاسمًا في اتخاذ القرار الاستثماري. فالحق المتأخر، في واقع الأمر، هو حق مهدور، مهما بلغت سلامة سنده القانوني.

ومما يجعل الحجة العادلة التونسية أيضا قاصرة عن آداء دورها الصحيح هو عدم صدور القانون الأساسي المنظم لمهنة عدول الإشهاد، و هو القانون المنتظر منذ سنوات طويلة، و الذي بات يمثل ضرورة ملحّة و مؤكدة و مستعجلة لتحديث الإطار القانوني المنظم للمهنة.

ويعود هذا التعطيل بالأساس إلى ضعف الإرادة السياسية الحقيقية لإصلاح مؤسسة عدالة الإشهاد، التي بقيت لسنوات طويلة بلا قانون يتماشى مع التحولات الاقتصادية و الوطنية، وبما يستجيب لمتطلبات العصر. وقد ترتب عن هذا الفراغ التشريعي تعطيلات فعلية تمسّ جميع المتعاملين بالحجة العادلة، في ظل استمرار اعتماد آليات عمل تقليدية تجاوزتها الأحداث و التطورات، من ذلك كثرة الدفاتر، وتعقيدات مجلس العقد في غياب العقد الإلكتروني، وعدم إرساء منظومة الإمضاء الإلكتروني، وغيرها من الآليات الحديثة المعتمدة في أغلب الدول.

إضافة إلى ذلك فإن الثقافة المجتمعية التونسية، ورغم المحاولات الجدية التي يبذلها مؤخرًا بعض الزملاء، خاصة عبر الحضور الإعلامي المكثف، لا تزال تجهل المكاسب و الضمانات التي توفرها الحجة العادلة. بل إن وسائل الإعلام الوطنية، في جلّها، ما تزال تُصرّ على تكريس صورة نمطية تقليدية لعدل الإشهاد، في حين أن عدالة الإشهاد المعاصرة في تونس أصبحت تستوعب ميادين تعاقدية هامة، وقادرة على دفع الاستثمار والمساهمة الفعلية في التنمية الاقتصادية.

و رغم ذلك، لا تزال السلطة التنفيذية في بلدنا متمسكة بتعلات واهية، وكأن إصلاح مؤسسة العقد في تونس، وإصلاح عدالة الإشهاد، أمر أشبه بالمعجزة، في حين أن الحقيقة لا تعدو أن تكون غياب إرادة سياسية صادقة، كما سبق بيانه.

و بما أن عدالة الإشهاد التونسية جزءًا لا يتجزأ من هذا الوطن، فإن المنتسبين إليها يحدوهم أمل لا ينقطع في إصلاح مهنتهم، حتى يتمكنوا من الاضطلاع بدورهم الفعّال في دعم المنظومة القضائية و القانونية، و ليكونوا دعامة أساسية و ركيزة حقيقية للاقتصاد الوطني، و جلب الاستثمار و دعمه.

إن دعم الاستثمار لا يتحقق فقط بالأرقام أو بالحوافز الجبائية و المالية، بل يقوم أساسًا على الثقة، وتُعدّ الحُجّة العادلة "وثيقة الثقة" بامتياز، وأحد الأعمدة الجوهرية للأمن التعاقدي في تونس. ولكي تضطلع بدورها كاملاً، يتعيّن أخذ خطوات جادة وسريعة من أهمها:

  • الإسراع بإصدار القانون الأساسي المنظم لمهنة عدول الإشهاد،
  • إكساء الحُجّة العادلة بالقوة التنفيذية، بما يضمن سرعة تنفيذ الالتزامات و يعزّز الأمن القانوني للمستثمرين.
  • كما تفرض متطلبات العصر رقمنة إجراءات الإشهاد، من خلال رقمنة السجلات و المحررات لتسهيل الرجوع إليها، وتقليص الآجال، واعتماد الحُجّة العادلة في مجال الاستثمارات وإقرار التوقيع الإلكتروني في العقود ذات الصلة بالاستثمار، بما يواكب التحول الرقمي ويستجيب لمتطلبات الاقتصاد الحديث.
  • ويُعدّ تعزيز التنسيق بين مؤسسة عدالة الإشهاد وبقية الإدارات و المؤسسات العمومية المتداخلة شرطًا أساسيًا لنجاعة المنظومة، وذلك بتمكين عدول الإشهاد من الولوج إلى المعلومة متى تعلقت بالمتعاقدين، سواء لدى المصالح المالية أو الجبائية أو الإدارية، أو لدى هياكل المصادرة أو لجنة التحاليل المالية وغيرها، مع منحهم الصلاحيات اللازمة لتمثيل حرفائهم لدى هذه الجهات، بما يساهم في تأمين المعاملات و تبسيط الإجراءات.
  • كما يستوجب الإصلاح تعزيز دور عدول الإشهاد في تأمين المعاملات الاقتصادية، وتمكينهم من دور أوسع في توثيق عقود الاستثمار والشركات وتحرير العقود ذات الصلة،
  • إلى جانب نشر ثقافة الحُجّة العادلة لدى المستثمرين والمؤسسات الاقتصادية، عبر إطلاق حملات توعوية بالشراكة مع هياكل الدولة والبنوك والغرف التجارية وتنظيم ملتقيات ودورات تكوينية لفائدة المستثمرين حول مزايا التوثيق الرسمي و ضمانات العقود وأهمية التحكيم و الصلح.
  • وفي السياق ذاته، يكتسي تمكين عدول الإشهاد من تقديم خدمات الوساطة و التحكيم في النزاعات التجارية أهمية خاصة، إلى جانب تحيين و تحسين التواصل مع البلديات والقباضات المالية والمحاكم، بما يضمن التدفق السلس للملفات، وتبسيط الإجراءات وتحسين آجال إنجاز المعاملات.

ختامًـــــــــــــا، نكاد نجزم بأن الحُجّة العادلة والاستثمار وجهان لعملة واحدة؛ فمتى نُظّمت و طُوّرت آليات ومجالات تدخل الحُجّة العادلة في الميادين الاقتصادية والمالية، أمكن دفع المستثمر الوطني والأجنبي إلى مزيد الإقبال على بعث وتطوير المؤسسة الاقتصادية الوطنية. فما يطلبه المستثمر هو ذاته ما يطالب به عدول الإشهاد في تونس: الحماية القانونية والسرعة في الإنجاز والثقة.

----------------------------------------------------------

 

1) مداخلة الأستاذة عفاف رمضان حول موضوع " دور الحجة العادلة في دعم الاستثمار في تونس" خلال الندوه الدولية حول "عدالة الاشهاد و الاستثمار" المنظمة من طرف المؤسسة الألمانية للتعاون القانوني الدولي بالشراكة مع الهيئة الوطنية لعدول الإشهاد بتونس يوم 18 ديسمبر 2025.